الشيخ عبد الغني النابلسي
130
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
هناك يعني في حضرة الحق المطلق المستفهم له في حضرة تقيده بالصورة . ثم أوجب ، أي نقض ذلك النفي بإيجاب القول أدبا مع المستفهم الحق فإنه استفهمه عن حضرة نفس الصورة المقيدة للحق حتى ينفي القول عنها مطلقا ، وإنما استفهمه عن حضرة كونه الحق المقيد بالصورة . ولو لم يفعل ، أي عيسى عليه السلام كذلك ، أي ينفي القول عنه من حيثية كونه نفس الصورة ، ويشتبه من حيثية كونه الحق المقيد بالصورة ، يعني ما قلت لهم شيئا من تلقاء نفسي ، أي قولا بنفسي ، وإنما قلت لهم : ما أَمَرْتَنِي بِهِ ، أي قولا بأمرك ، وذلك من حضرة كونه ملكا روحانيا كما قال تعالى عن الملائكة وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ والقول عمل اللسان لا تصف عليه السلام بعدم معرفة علم الحقائق وحاشاه من ذلك الاتصاف ، لأنه رسول الحقيقة إلى بني إسرائيل أرسل بها إليهم ليكمل شريعتهم ، كما أرسل موسى عليه السلام بالشريعة إليهم ، فلما كذبوه وما آمن معه إلا قليل أرسل اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم إلى كافة العالمين بالشريعة والحقيقة معا ليظهره على الدين كله وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [ التوبة : 32 ] . فقال ، أي عيسى عليه السلام : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ وأنت المتكلم على لساني وفي المشرب المحمدي الذاتي أنت لساني الذي أتكلم به وهو الإشارة إلى كونه ما قال إلا من كونه الحق المقيد بالصورة فانظر يا أيها السالك إلى هذه التثنية « 1 » في قوله : أَمَرْتَنِي فأثبت نفسه مأمورا مع ربه الآمر له الروحية ، أي المنسوبة إلى الروح لأنه روح اللّه الإلهية لأنه عبد اللّه ما ألطفها من حيث اقتضاؤها الآمر والمأمور ، والروح من أمر اللّه تعالى بحكم قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] ، وأمره تعالى كما قال : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ومنه قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) [ آل عمران : 59 ] ، فعيسى عليه السلام روح اللّه وهو من أمر اللّه وهو مأمور اللّه وهو مخلوق اللّه وهو كلمة اللّه وهو قول اللّه وهو عبد اللّه وما أدقها ، أي هذه التثنية أيضا لخفاء معناها عند الكشف عنها في مقام الأرواح الأمرية أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، أي افعلوا عبادته تعالى يا أيها المكلفون بها . فجاء ، أي عيسى عليه السلام باسم اللّه دون غيره من الأسماء الإلهية
--> ( 1 ) وفي نسخة [ التنبئة ] بدل [ التثنية ] .